المقريزي
380
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )
ذكر الجيزة قال ابن سيده : الجيزة الناحية والجانب ، وجمعها جيز وجيز والجيز : جانب الوادي ، وقد يقال فيه : الجيزة ، واعلم أنّ الجيزة اسم لقرية كبيرة جميلة البنيان على النيل من جانبه الغربيّ ، تجاه مدينة فسطاط مصر ، لها في كل يوم أحد سوق عظيم يجيء إليه من النواحي أصناف كثيرة جدّا ، ويجتمع فيه عالم عظيم ، وبها عدّة مساجد جامعة . وقد روى الحافظ أبو بكر بن ثابت الخطيب من حديث نبيط بن شريط قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم : « الجيزة روضة من رياض الجنة ومصر خزائن اللّه في أرضه » . ويقال : إنّ مسجد التوبة الذي بالجيزة ، كان فيه تابوت موسى عليه السّلام الذي قذفته أمّه فيه بالنيل ، وبها النخلة التي أرضعت مريم تحتها عيسى فلم يثمر غيرها . وقال ابن عبد الحكم عن يزيد بن أبي حبيب : فاستحبت همدان ومن والاها الجيزة ، فكتب عمرو بن العاص إلى عمر بن الخطاب رضي اللّه عنهما بما صنع اللّه للمسلمين ، وما فتح عليهم ، وما فعلوا في خططهم ، وما استحبت همدان من النزول بالجيزة ، فكتب إليه عمر يحمد اللّه على ما كان من ذلك ، ويقول له : كيف رضيت أن تفرّق أصحابك لم يكن ينبغي لك أن ترضى لأحد من أصحابك أن يكون بينك وبينهم بحر ، ولا تدري ما يفجأهم فلعلك لا تقدر على غياثهم حين ينزل بهم ما تكره ؟ فاجمعهم إليك فإن أبوا عليك ، وأعجبهم موضعهم بالجيزة ، وأحبوا ما هنالك ، فابن عليهم من فيء المسلمين حصنا ، فعرض عليهم عمرو ذلك ، فأبوا وأعجبهم موضعهم بالجيزة ، ومن والاهم على ذلك من رهطهم يافع وغيرها ، وأحبوا ما هنالك ، فبنى لهم عمرو بن العاص الحصن في الجيزة في سنة إحدى وعشرين ، وفرغ من بنائه في سنة اثنتين وعشرين . ويقال : إن عمرو بن العاص ، لما سأل أهل الجيزة أن ينضموا إلى الفسطاط قالوا : مقدم قدمناه في سبيل اللّه ما كنا لنرحل منه إلى غيره ، فنزلت يافع الجيزة فيها مبرح بن شهاب ، وهمدان ، وذو أصبح ، فيهم أبو شمر بن أبرهة وطائفة من الحجر . وقال القضاعيّ : ولما رجع عمرو بن العاص من الإسكندرية ، ونزل الفسطاط جعل طائفة من جيشه بالجيزة خوفا من عدوّ يغشاهم من تلك الناحية ، فجعل فيها آل ذي أصبح من حمير ، وهم كثير ، ويافع بن زيد من رعين ، وجعل فيها همدان ، وجعل فيها طائفة من الأزديين بني الحجر بن الهبو بن الأزد ، وطائفة من الحبشة ، وديوانهم في الأزد ، فلما استقرّ عمرو في الفسطاط ، أمر الذين خلفهم بالجيزة أن ينضموا إليه فكرهوا ذلك ، وقالوا : هذا مقدم قدمناه في سبيل اللّه ، وأقمنا به ما كنا بالذين نرغب عنه ، ونحن به منذ أشهر ، فكتب